من الجيد إلى الأفضل, إلى الاستمرار على الأفضل

عندما كنت بكلية ستانفورد لإدارة الأعمال في بداية التسعينات عملت على مشروع بحث والذي صدر في كتاب Built to Last, وقد أجاب البحث عن السؤال, ما الذي يتطلبه أن تنشئ وتبني شركة تدوم طويلاً وذلك من الصفر؟ قمت بالتعاون مع شريكي في البحث Jerry I. Porras بدراسة 18 شركة تحقق نتائج عظيمة باستمرار, متتبعين نتائجها المالية أحياناً في بعض الحالات حتى أوائل الثمانينات, بينما أصبحت هذه الشركات عظيمة في أواخر القرن العشرين . قمنا بدراسة شركات مثل Procter & Gamble ( تأسست عام 1837 ), American Express ( تأسست عام 1850 ), Johnson & Johnson ( تأسست عام 1886 ), و GE ( تأسست عام 1892 ). أحد الشركات, Citicorp ( الآن أصبحت Citigroup ) تأسست في عام 1812, وهو نفس العام الذي زحف فيه نابليون إلى موسكو!. أصغر شركة كانت في دراستنا هي Wal-Mart و Sony, والتي تتبعنا أصولهما حتى 1945. وبشكل مشابه لهذا الكتاب, استخدمنا شركات مقارنة لكل واحدة على حدة, 3M مقابل Norton, Walt Disney مقابل Columbia Pictures, Marriott مقابل Howard Johnson, وهكذا .. لباقي الأزواج الثمانية عشر. باختصار, أردنا أن نميز الخصائص الأساسية بين الشركات العظيمة والشركات الجيدة , حيث كلا الحالتين دامت الشركات فيها لمدة عقود, وحتى قرون.

التحول من الجيد إلى الأفضل في المراحل الأولى للاستمرار بالأفضل

يبدو أن الشركات العظيمة التي استمرت على عظمتها في الوقع مرت في عملية من البناء ثم القفزة, متبعة نمط التحول من الجيد إلى الأفضل خلال سنواتها الأولى.

لنأخذ, على سبيل المثال, نمط البناء – القفزة في تطور شركة Wal-Mart. معظم الناس يظنون أن Sam Walton ظهر على الساحة من العدم حاملاً رؤيته العظيمة لتخفيض التكاليف عند البيع بالمفرد في الأرياف, محققاً القفزة كشركة جديدة. ولكن هذا كله عارٍ عن الصحّة.

بدأ سام عام 1945 بمتجر صغير. ولم يفتتح متجره الثاني إلا بعد سبع سنوات لاحقة. بدأ سام بالبناء بشكل تراكمي, خطوة بخطوة, ودورة بدورة للقرص, حتى ظهر مفهوم القنفذ لأسواق التخفيضات الكبرى كنتيجة لعملية تطور طبيعي في منتصف الستينات. لقد استغرق ذلك من سام ربع قرن لينمو من متجر صغير إلى سلسلة Wal-Mart التي تضم 38 متجراً. ثم, من عام 1970 وحتى 2000, ازداد زخم القفزة وتضاعفت عدد المتاجر بشكل سريع لتصل إلى 3000 متجر بأكثر من 150 مليار دولار كعوائد. تماماً كما حصل مع الدجاجة التي خرجت من البيضة كما ذكرنا في فصل القرص, استغرق سام عقوداً ليصل إلى مفهوم القنفذ, قال سام:

على مر السنين انطبع في أذهان الناس أن Wal-Mart ما كانت إلا فكرة ناجحة تحولت إلى قصة نجاح بين ليلة وضحاها. ولكن .. كانت ليلة استمرت ربع قرن.

تضيف شركة Hewlett-Packard – HP مثالاً آخر على أن أفكار التحول من الجيد إلى الأفضل طبقت من الصفر. على سبيل المثال, Bill Hewlett و David Packard أسسا لمفهوم جديد في شركة HP, لا يعتمد على السؤال  “ماذا” بل “من”, وبدءا ببعضهما البعض. كانا صديقين متقاربين في الكلية وببساطة أرادا أن يبنيا شركة عظيمة معاً تجذب الأشخاص المماثلين لهما من حيث القيم والمبادئ. الدقائق التأسيسية لاجتماعهم الأول في عام 1937 بدأت بالتفكير بالمنتجات التي سوف يقومون بتصميمها, صناعتها ثم بيعها على أن تكون في مجال الإلكترونيات, وهي مجال واسع للعمل. ولكن بعد دقائق قليلة وصلوا إلى نتيجة, “إن السؤال عن ماذا نقوم بتصنيعه يجب أن يؤجل..”

قام دافيد وبيل بالبحث لعدة شهور محاولين العثور على شيء ما, أي شيء يمكن أن يجعلهم ينطلقون. تم اقتراح أجهزة القوارب السريعة, أجهزة التحكم بالتكييف, الأجهزة الطبية, المكبرات الرقمية, وأشياء أخرى كثيرة. قاما بصنع حساسات تستخدم في لعبة البولينغ, حساسات للتلسكوب, وأجهزة رجاجة تساعد على تخفيف الوزن. لا يهم حقاً ما قامت به الشركة في أيامها الأولى, طالما هي تساهم في صنع الأجهزة التكنولوجية وهذا ما سيمكن دافيد وبيل  من صنع الكمبيوتر بالتعاون مع الأشخاص المناسبين. لقد كانت بداية محضة تعتمد على “أولاً من .. ثم ماذا”.

فيما بعد, وبعد أن وسع دافيد وبيل نطاق عملهما, التزما بتطبيق مبدأ “أولاً من”. بعد الحرب العالمية الثانية, ومع أن العائدات قلّت لتوقف العقود الجديدة بسبب الحرب, إلا أنهم وظفوا دفعة كاملة من الأشخاص المحترفين الذين تركوا المختبرات الحكومية, بدون أن يعلموا ما سيحققون من ذلك. لنتذكر قانون باكارد , والذي اقتبسناه في الفصل الثالث : “لا يمكن لعائدات شركة أن تنمو بشكل أسرع من قدرتها على تحقيق الاكتفاء من الأشخاص المناسبين لتحقيق ذلك النمو ويبقى بمقدورها أن تصبح شركة عظيمة.” لقد عاش دافيد وبيل هذا المفهوم ووظفوا عدداً فائضاً من الأشخاص المحترفين كلما سنحت لهم الفرصة.

قبل فترة قصيرة من وفاته, حصلت على فرصة لمقابلة دافيد باكارد. بالرغم من كونه واحد من أوائل أغنياء وادي السيليكون الذي صنعوا نفسهم بنفسهم, إلا أنه عاش في المنزل الصغير نفسه الذي بناه هو وزوجته بأنفسهم في عام 1957, المشرف على بستان بسيط. المطبخ الصغير, بأرضيته المشمعة, وغرفة الجلوس البسيطة. قال Bill Terry والذي عمل مع دافيد ست وثلاثين سنة : “كان مفهوم الوقت الجيد عنده أن يجمع بعض أصدقائه ويجلس في فناء بيته”. أوصى دافيد بعد موته بثروته المقدرة بـ 5.6 مليار دولار إلى المؤسسات الخيرية, وعند وفاته كتبت له عائلته قصيدة تأبين, مع وجود صورة له جالساً على جرّار المزرعة بثياب الحقل. ولم يكتب أي شيء على قبره سوى الكلمات التالية : “دافيد باكارد, 1912-1996, صاحب المزرعة”. إنه بالفعل قائد من المستوى الخامس.

الأيديولوجيا الجوهرية : البعد الإضافي للنتائج العظيمة بشكل دائم

خلال لقائنا مع بيل هيوليت, سألناه ما أكثر شيء كان فخور به في مسيرته المهنية الطويلة. قال: “عندما أنظر لمسيرتي المهنية, ربما أشعر بالفخر بأني ساعدت في إنشاء شركة تميزت بقيمها, وممارساتها, ونجاحها لتصبح مثالاً يحتذى للنجاح والإدارة في العالم.” إن”طريقة HP”, كما عرفت فيما بعد, عكست الالتزام بشكل عميق بالقيم الجوهرية والتي ميزت الشركة أكثر من أي منتج من منتجاتها. هذه القيم تضمنت المساهمة في مجال التكنولوجيا, احترام الفرد, تحمل المسؤولية في أوساط الشركة, والاعتقاد بشكل قطعي بأن الأرباح ليست هي هدف أساسي للشركة. هذه المبادئ, والتي أصبحت طبيعية هذه الأيام, كانت ثورية وتقدمية في الخمسينات. قال دافيد باكارد عن رجال الأعمال في هذه الأيام, “بما أنهم كانوا هادئين ومؤدبين في خلافاتهم, هذا يعني أن هناك دليل واضح جداً بأنهم ظنوا بأنني لم أكن واحداً منهم, وبأني لا أصلح إطلاقاً لإدارة شركة هامة.”

الشركات العظيمة الخالدة لم توجد لمجرد تحقيق الأرباح لحاملي الأسهم, في الحقيقة, في الشركات العظيمة بحق, تصبح الأرباح وتدفق المال تتدفق مثل الدم والماء في الجسم الصحيح: إنها هامة وأساسية للحياة, ولكنها ليست سبباً للحياة.

أحد التحذيرات الهامة لمفهوم القيم الجوهرية بأنه ليس هناك قيم جوهرية “صحيحة” للتحول إلى شركة عظيمة خالدة. لا يهم أي قيمة جوهرية تتبع, لقد وجدنا أحد الشركات العظيمة لا تملك تلك القيمة الجوهرية المحددة. شركة لا تحتاج لأن تكون محبّة لزبائنها (مثل سوني), ولا احترام الأفراد (مثل ديزني), أو الجودة (مثل وال-مارت), أو المسؤولية الإجتماعية (مثل فورد) , وذلك حتى تصبح شركة عظيمة أو خالدة. هذا كان واحد من أكثر النتائج المتناقضة في دراسة (البقاء دوماً), القيم الجوهرية أساسية للبقاء دوماً, ولكن يبدو أنه لا يهم ما هي هذه القيم الجوهرية. النقطة هنا هي أنه لا يهم ما هي القيم الجوهرية التي لديك, ولكن الأهم هو أن تملك قيم جوهرية, وتعلم بحق ماهي, وأن تدمج هذه القيم بشكل واضح في الشركة, وأن تحمي هذه القيم على مر الوقت.

الهدف الجريء الجيد, والهدف الجريء السيء

مثال رائع عن هذا يأتي من شركة Boeing في الخمسينات. حتى أوائل الخمسينات, ركزت بوينغ على بناء طائرات ضخمة لخدمة الجيش مثل B-17 و B-29 و B-52 العابرة للقارات. على أية حال, لم يكن لدى بوينغ أي حضور عملياً في سوق الطيران التجاري, ولم تظهر شركات الطيران  أي رغبة لشراء طائرات من بوينغ. (قالوا كرد على ما حققته بوينغ: “الشركة تقوم بصنع طائرات للجيش بشكل جيد في سياتل, لماذا لا تتوقف عند ذلك.) اليوم, بشكل بديهي يمكن أن نرى أن معظم الرحلات الجوية تتم على طائرات من صنع بوينغ, ولكن في عام 1952, لم يكن أحد تقريباً غير الجيش يستخدم طائرات بوينغ.

خلال الأربعينات, كانت بوينغ تبقي نفسها بعيدة عن مجال الطيران التجاري, والتي كان يسيطر عليها McDonnell Douglas القادر بشكل كبير على إنتاج طائرات أصغر وأكثر ملاءمة للرحلات الجوية. في أوائل الخمسينات, رأت  شركة بوينغ فرصة للتقدم على دوغلاس من خلال الدمج بين خبرتها في إنتاج الطائرات الكبيرة مع فهمها لعملية إنتاج المحركات النفاثة. وتحت قيادة قائد من المستوى الخامس يدعى Bill Allen, تناقش المدراء التنفيذيون في بوينغ حول حكمة الانتقال إلى المجال التجاري. ثم تبين لهم أنه مع أن الشركة لن تصبح الأفضل في مجال صناعة الطائرات التجارية قبل عشرة أعوام , إلا أن الخبرة التراكمية في الطائرات الكبيرة التي اكتسبتها الشركة من الصناعة الحربية تجعل الآن من الحلم ممكناً. وكذلك تبين لهم بأن سوق العمل في الطائرات التجارية سيكون أكبر بكثير من سوق الطائرات الحربية. لقد كانوا منفتحين تماماً للفكرة من بدايتها لصنع طائرة تجارية.

لذا, في عام 1952, قام بيل وفريقه باتخاذ قرار بإنفاق ربع القيمة الصافية للشركة لبناء طائرة نموذجية يمكن أن تستخدم في الطيران التجاري. قاموا ببناء طائرة 707 وانطلقت بوينغ لتصبح الشركة الأولى في مجال الطائرات التجارية في العالم. بعد ثلاثة عقود, بعد إنتاج خمسة من أكثر الطائرات نجاحاً في التاريخ (707 , 727 , 737 , 747 , و 757), أصبحت بوينغ الشركة الأعظم على الإطلاق في مجال صناعة الطائرات التجارية. حول العالم, وحتى أواخر التسعينات, لم يكن اسم بوينغ يتأثر بشكل جدي من قبل الشركات الأخرى, وسوف يحتاج إلى ائتلاف حكومي مثل Airbus لفعل ذلك.

النقطة الأساسية من هذا المثال: الهدف الجريء لبوينغ, هو ضخم ورهيب, إلا أنه لم يكن هدفاً عشوائياً. لقد كان هدفاً أصبح معقولاً ضمن الدوائر الثلاث. لقد فهم المدراء التنفيذيون في بوينغ بهدوء ورصانة أن الشركة يمكن أن تصبح الرقم واحد في العالم في صناعة الطائرات التجارية حتى ولو لم يكن لديها حضور في السوق بعد. وأن التحول سوف يحسن اقتصاد بوينغ بشكل كبير عن طريق زيادة الأرباح مقابل كل نموذج طائرة, وأن الأشخاص الذين كانوا يعملون في بوينغ كان لديهم شغف كبير بهذا العمل. لقد تصرفت بوينغ بناءاً على الفهم, وليس الشجاعة, في هذه اللحظة المحورية من تاريخها, وهذا واحد من الأسباب الرئيسية التي جعلها تدوم كشركة عظيمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.