القيادة من المستوى الخامس

في عام 1971 أصبح المحامي المغمور داروين سميث الرئيس التنفيذي لشركة Kimberly-Clark التي كانت تعتمد في مبيعاتها على صناعة الورق المقوى, وقد كان لسميث دور كبير في تحويل الشركة خلال العشرين عام التالية من شركة ضعيفة الأداء (كان سهمها قد انخفض 36% في البورصة), إلى شركة حققت عائدات للأسهم تقدر بأكثر من أربع أضعاف رأس المال, بأداء يضاهي شركات مثل كوكاكولا و HP و جنيرال إلكتريك.

4

ما قام به سميث هو أنه قام بإعادة بناء الشركة, واتخذ الكثير من القرارات الحاسمة فيها ومنها الخروج من صناعة الورق المقوى التقليدية والدخول في الصناعات الاستهلاكية والاستثمار في أصناف مثل Huggies و Kleenex (ماركة المناديل المشهورة).

وقد مثل داروين سميث ما أسميناه في بحثنا بالقائد من المستوى الخامس, فهو استطاع أن يمزج بين التواضع الشخصي والإرادة الاحترافية.

وقد وجد هذا النمط في كل شركة من الشركات التي تحولت من الجيد إلى الأفضل في فترة التحول, فقد كانوا كلهم أفراداً متواضعين يتمتعون بعزيمة كبيرة لحل جميع المشاكل التي تعترض طريقهم, ويفعلون كل ما يتطلبه الأمر لجعل الشركة عظيمة.

هم لا يعملون من أجل أنفسهمو بل من أجل هدف أكبر وهو بناء الشركة, وهذا لا يعني أنه ليس لديهم مكاسب أو اهتمامات شخصية, ولكن أولوية طموحاتهم كانت تجاه الشركات التي يديرونها.

المستوى الخامس هو أعلى مستوى بين المدراء التنفيذيين الذين ميزناهم في بحثنا.

إن المستوى الخامس للقيادة هو باختصار يجمع بين التواضع, والإرادة.

5الطموح من أجل الشركة

إذا أردت نجاح الشركة, قم بإعداد من يخلفك.

في عام 1981 ترأس ديفيد ماكسويل شركة Fannie Mae عندما كانت تخسر في كل يوم عمل مليون دولار. وعلى مر السنوات التسع التالية تحولت الشركة تحت إدارته إلى أفضل الشركات في العالم منافسة بذلك شركات وول ستريت مع ربح 4 مليون دولار في كل يوم عمل, وتفوقت أسهمها على معدل الأسهم في البورصة بأربع أضعاف تقريباً.

عندما تقاعد ماكسويل ترك الإدارة لشخص يقارب قدراته, جيم جونسون, وهذا يعد السبب الرئيسي لمحافظة الشركة على أدائها المتميز .

وعلى خلاف الشركات المقارنة (والتي بقيت جيدة) فقد كان رؤساؤها التنفيذيون مهتمون بأنفسهم وبسمعتهم, ولم يهيؤوا الظروف الملائمة لمن يخلفهم, وفي 75% من الحالات كان المدراء التنفيذيون يتركون حملاً ثقيلاً لورثتهم أو يختاروا ورثة يتسمون بالضعف, أو الحالتين معاً.

وهذا حصل مع كثير من الشركات التي ازدهرت في عصر رئيس تنفيذي ما, ثم بعد رحيله خسرت وربما تم الاستحواذ عليها مثل ما حصل مع شركة Rubbermaid التي تربعت على عرش قائمة Fortune لأكثر الشركات التي تستحق الاحترام في أمريكا يوماً ما, وبعد ذلك تفككت الشركة بشكل مؤسف وبيعت لشركة Newellto.

وذلك يعود بشكل رئيسي للمدير التنفيذي الذي كان يرأسها, Stanley Gault, والذي مع ما يتمتع به من ذكاء وحنكة في الإدارة إلا أنه كان حاد الطبع ومغرور ومستبد.

وستانلي لم يترك وراءه شركة قادرة أن تكون عظيمة بدونه, فقد أقيل المدير التنفيذي الذي خلفه بعد عام واحد, وواجه الثاني فريق عمل ضعيف جداً, وتخبطت الشركة في المشكلات الإدارية, باختصار فقد انهارت الشركة بعد رحيله.

ولربما كان ستانلي قائداً ممتازاً, لكنه حقيقة من المستوى الرابع, ولم يكن يوماً من المستوى الخامس, وهذا هو السبب الرئيسي الذي جعل الشركة تنحدر بعد رحيله.

التواضع مهم أيضاً

لاحظنا في بحثنا أن القادة في الشركات التي تحولت نادراً ما كانوا يتكلمون عن أنفسهم, بل كانوا يتكلمون عن مساهمات المدراء التنفيذيين الآخرين بشكل كبير.

وهذا جعل من الإعلام يتجاهلهم, فهم نادراً ما يحبون الظهور في وسائل الإعلام.

أما قادة الشركات التي بقيت جيدة, فقد كانوا على النقيض تماماً, فقد كان هناك حضور قوي للأنانية الشخصية لديهم. ومنهم Lee Iacocca الذي تولى منصب الرئيس التنفيذي لشركة كرايزلر, وقد أغرته الشهرة التي حصل عليها فبدأ يظهر في الإعلانات التجارية والبرامج الحوارية, حتى إنه ترشح لرئاسة الولايات المتحدة وقال حينها إن إدارة كرايزلر أصعب من إدارة البلاد. وبعد أن حقق نجاحات في بداياته في منصبه بدأت أسهم الشركة تهبط, ووصل الهبوط إلى 31%.

عاشت الشركة بعد تقاعده فترة قصيرة من المجد, ولكن الضعف الداخلي الذي كانت تعاني منه أدى في النهاية إلى بيعها لشركة ألمانية, ولو أننا لا نستطيع تحميل Lee مسؤولية البيع للألمان, إلا أنه لم يستطع أن يحافظ على نمو الشركة.

العزيمة الثابتة لفعل ما يجب فعله

لم يكن القادة من المستوى الخامس يتمتعون بالتواضع فقط, بل إنه العزيمة الثابتة لديهم كانت ظاهرة بشكل كبير, والتصميم على فعل ما يجب فعله كائناً ما كان لجعل الشركة عظيمة, حتى إن تطلب الأمر طرد أحد أفراد العائلة من الشركة.

وقد تجلى ذلك في طردهم أو إيقافهم لكل موظف يريد أن يكتفي بأن تكون الشركة جيدة وحسب, بغض النظر عن قرابتهم أو قدمهم في الشركة, فقد قام George Cain الرئيس التنفيذي لمختبرات Abbott بطرد أبيه من شركتهم العائلية في أحد الأيام, لكن العائلة كانت سعيدة بالنتائج التي حققتها أسهم الشركة في البورصة.

فقد قام جورج كاين بملء جميع المقاعد بأفضل الناس, على عكس شركة Upjohn العائلية أيضاً, والتي بقيت تفضل الأقارب في التوظيف في المراكز القيادية في الشركة, وبعد عشرين عاماً كانت شركة Abbott تتفوق على شركة Upjohn بعشرة أضعاف بعدما كانا في نفس القيمة تقريباً.

مثال آخر على ذلك, Charles Cork الرئيس التنفيذي لشركة Walgreens, حيث كانت الشركة تعمل بشكل رئيسي في مجال المطاعم وتملك أكثر من 500 مطعم, مع وجود أعمال بسيطة في مجال الصيدليات.

بعد سنوات من العمل والنقاش أصبحت الفكرة واضحة في ذهن الفريق التنفيذي للشركة, فمستقبل الصيدليات يبدو مشرقاً وخاصة في مجال الصيدليات السهلة الوصول عند كل زاوية شارع.

أخبر تشارلز مجلس إدارة الشركة أنهم سيخرجون من مجال المطاعم بشكل رئيسي, وستركز الشركة على الصيدليات السهلة الوصول بشكل كامل. وقد كان هذا من أكثر القرارات جرأة في تاريخ الشركة.

ومع أن عملهم في مجال المطاعم كان مربحاً بشكل كبير, وكان يشكل الجزء الأكبر من عملهم, إلا أن هذا لم يمنعهم من بيع المطاعم, وتوجيه الموارد إلى المكان الصحيح, الصيدليات.

وبعد 15 عاماً حققت الشركة أداءاً أفضل من السوق العامة بخمس عشرة مرة.

النافذة والمرآة

لقد تكلم جميع الرؤساء التنفيذيين للشركات التي تحولت من الجيد إلى الأفضل في مقابلاتنا معهم, وسؤالهم عن سبب التحول, تكلموا عن الحظ, قالوا: لقد كنا محظوظين وحسب, وقد رفضوا جميعاً أن يكونوا هم السبب في التحول.

ومع ذلك لم نجد أن للحظ دور في ذلك, فشركات أخرى كانت تعمل في نفس المجال ونفس الوقت, لم تحقق ما حققته هذه الشركات التي تحولت من الجيد إلى الأفضل.

ولذلك فقد اخترعنا لهذا النمط مفهوماً أسميناه, النافذة والمرآة.

فالقادة من المستوى الخامس ينظرون خارج النافذة (خارج أنفسهم) عندما يتم سؤالهم عن أسباب النجاح, ويرجعونها للآخرين, وعندما لا يكون هناك أحد محدد يرجعونها للحظ.

وفي نفس الوقت عند تحمل المسؤولية ينظرون إلى المرآة (أي لأنفسهم) ولا يلومون الحظ السيء, أو غيرهم.

الجانبان المتناقضان في القادة من المستوى الخامس

لقد قمنا بتمييز التناقضات التالية في القادة من المستوى الخامس

6

 

وهذا يعني أنه يمكن إعداد القادة من المستوى الخامس بناءاً على هذه الصفات, ولكن ذلك يتنافى مع الغرور والتكبر بشكل كبير, فالقائد المغرور لن يصل إلى المستوى الخامس ولو بعد مليون عام.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.